serah
عاشقة الكوفية السمراء
عندما ولدت كآبتي, أرضعتها حليب العناية, وسهرت عليها بعين الحب والحنان
فنمت كآبتي كما ينمو كل حيّ قوية جميلة تفيض بهجةً و اشراقاً
فأحببت كآبتي و أحبتني كآبتي و احببنا العالم المحيط بنا لان كآبتي كانت رقيقة القلب عطوفا فصيرت قلبي رقيقا عطوفا.
و عندما كنا نتحادث معا , انا و كآبتي , كنا نتخذ الاحلام اجنحة لايامنا و مناطق لليالينا , لان كآبتي كانت فصيحة طليقة اللسان فصيرت لساني فصيحا طليقا.
و عندما كنا نغني معا, انا و كآبتي , كان جيراننا يجلسون الى نوافذهم مصغين الى غنائنا, لان غناءنا كان عميقا كاعماق البحر و غريبا كغرائب الذكرى.
وعندما كنا نمشي, أنا و كآبتي, كان الناس ينظرون الينا بعيون تشع حباً و اعجابا متحدثين ينا بارق الالفاظ و احلاها ,غير أن بعضهم كانوا ينظرون إلينا بعيون الحسد, لأن الكآبة منقبة محمودة وأنا كنت متباهياً فخوراً بالكآبة.
ثم ماتت كآبتي كما يموت كل حيّ و بقيت أنا لوحدي مفكراً متأملاً ..
وها أنا ذا أتكلم فتستثقل أذناي صوتي , و أنشد فلا يصغي أحد من جيراني لإنشادي , وأطوف في الشوارع فلا يعبأ بي أحد , غير أنني أتعزى إذا اسمع في منامي اصواتا تقول متحسرة : " انظروا ! انظروا ! فهنا يرقد الرجل الذي ماتت كآبته "
جبران خليل جبران