موسوعة شعر محمود درويش

modi

:: V . I . P ::
إنضم
12 مارس 2008
المشاركات
5,035
مستوى التفاعل
0
النقاط
0
mahmud_darwich.jpg

محمود درويش (13 مارس 1941 - 9 أغسطس 2008)،
أحد أهم الشعراء الفلسطينين المعاصرين
اللذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن.
يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير
الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه.
في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن
بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة إعلان الاستقلال
الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.


ولد عام 1941 في قرية البروة وهي قرية
فلسطينية تقع قرب ساحل عكا.
وبعد إنهائه تعليمه الثانوي كانت حياته
عبارة عن كتابة للشعر والمقالات في
صحافة الحزب الشيوعي الإسرائيلي مثل
الإتحاد والجديد التي أصبح فيما بعد
مشرفا على تحريرها، كما اشترك في
تحرير جريدة الفجر.
ولم يسلم من مضايقات الشرطة حيث
فرضت عليه الإقامة الجبرية أكثر من
مرة منذ العام 1961 بتهم تتعلق بأقواله
ونشاطاته السياسية وذلك حتى عام
1972 حيث نزح إلى مصر وانتقل
بعدها إلى لبنان حيث عمل في مؤسسات
النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير
الفلسطينية، علماً إنه استقال من اللجنة
التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجاً
على اتفاقية أوسلو.

شغل منصب رئيس رابطة الكتاب
والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة
الكرمل. كانت اقامته في باريس قبل
عودته إلى وطنه حيث أنه دخل إلى
فلسطين بتصريح لزيارة أمه. وفي
فترة وجوده هناك قدم بعض
أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب
واليهود اقتراحا بالسماح له بالبقاء
وقد سمح له بذلك.

وقد حصل على عدد من الجوائز منها:

جائزة لوتس عام 1969.
جائزة البحر المتوسط عام 1980.
درع الثورة الفلسطينية عام 1981.
لوحة أوروبا للشعر عام 1981.
جائزة ابن سينا في الإتحاد السوفيتي
عام 1982.
جائزة لينين في الإتحاد السوفييتي
عام 1983.

مصدر القصائد :الموسوعة العالمية
للشعر العربي

و عاد في كفن


يحكون في بلادنا

يحكون في شجن

عن صاحبي الذي مضى

و عاد في كفن

*

كان اسمه.. .

لا تذكروا اسمه!

خلوه في قلوبنا...

لا تدعوا الكلمة

تضيع في الهواء، كالرماد...

خلوه جرحا راعفا... لا يعرف الضماد

طريقه إليه. ..

أخاف يا أحبتي... أخاف يا أيتام ...

أخاف أن ننساه بين زحمة الأسماء

أخاف أن يذوب في زوابع الشتاء!

أخاف أن تنام في قلوبنا

جراح نا ...

أخاف أن تنام !!

-2-

العمر... عمر برعم لا يذكر المطر...

لم يبك تحت شرفة القمر

لم يوقف الساعات بالسهر...

و ما تداعت عند حائط يداه ...

و لم تسافر خلف خيط شهوة ...عيناه!

و لم يقبل حلوة...

لم يعرف الغزل

غير أغاني مطرب ضيعه الأمل

و لم يقل : لحلوة الله !

إلا مرت ين

لت تلتفت إليه ... ما أعطته إلا طرف عين

كان الفتى صغيرا ...

فغاب عن طريقها

و لم يفكر بالهوى كثيرا ...!

-3-

يحكون في بلادنا

يحكون في شجن

عن صاحبي الذي مضى

و عاد في كفن

ما قال حين زغردت خطاه خلف الباب

لأمه : الوداع !

ما قال للأحباب... للأصحاب :

موعدنا غدا !

و لم يضع رسالة ...كعادة المسافرين

تقول إني عائد... و تسكت الظنون

و لم يخط كلمة...

تضيء ليل أمه التي...

تخاطب السماء و الأشياء ،

تقول : يا وسادة السرير!

يا حقيبة الثياب!

يا ليل ! يا نجوم ! يا إله! يا سحاب ! :

أما رأيتم شاردا... عيناه نجمتان ؟

يداه سلتان من ريحان

و صدره و سادة النجوم و القمر

و شعره أرجوحة للريح و الزهر !

أما رأيتم شاردا

مسافرا لا يحسن السفر!

راح بلا زوادة ، من يطعم الفتى

إن جاع في طريقه ؟

من يرحم الغريب ؟

قلبي عليه من غوائل الدروب !

قلبي عليك يا فتى... يا ولداه!

قولوا لها ، يا ليل ! يا نجوم !

يا دروب ! يا سحاب !

قولوا لها : لن تحملي الجواب

فالجرح فوق الدمع ...فوق الحزن و العذاب !لن تحملي... لن تصبري كثيرا

لأن ه ...

لأنه مات ، و لم يزل صغيرا !

-4-

يا أم ه!

لا تقلعي الدموع من جذورها !

للدمع يا والدتي جذور ،

تخاطب المساء كل يوم...

تقول : يا قافلة المساء !

من أين تعبرين ؟

غضت دروب الموت... حين سدها المسافرون

سدت دروب الحزن... لو وقفت لحظتين

لحظ تين !

لتمسحي الجبين و العينين

و تحملي من دمعنا تذكار

لمن قضوا من قبلنا ... أحبابنا المهاجرين

يا أمه !

لا تقلعي الدموع من جذورها

خلي ببئر القلب دمعتين !

فقد يموت في غد أبوه... أو أخوه

أو صديقه أنا

خلي لنا ...

للميتين في غد لو دمعتين... دمعتين !

-5-

يحكون في بلادنا عن صاحبي الكثيرا

حرائق الرصاص في وجناته

وصدره... ووجهه...

لا تشرحوا الأمور!

أنا رأيتا جرحه

حدقّت في أبعاده كثيرا...

" قلبي على أطفالنا "

و كل أم تحضن السريرا !

يا أصدقاء الراحل البعيد

لا تسألوا : متى يعود

لا تسألوا كثيرا

بل اسألوا : متى

يستيقظ الرجال !

 

مرثية

لملمت جرحك يا أبي

برموش أشعاري

فبكت عيون الناس

من حزني ... و من ناري

و غمست خبزي في التراب ...

وما التمست شهامة الجار!

وزرعت أزهاري

في تربة صماء عارية

بلا غيم... و أمطار

فترقرقت لما نذرت لها

جرحا بكى برموش أشعاري!

عفوا أبي!

قلبي موائدهم

و تمزقي... و تيتمي العاري!

ما حيلة الشعراء يا أبتي

غير الذي أورثت أقداري

إن يشرب البؤساء من قدحي

لن يسألوا

من أي كرم خمري الجاري !



 

أمل

ما زال في صحونكم بقية من العسل

ردوا الذباب عن صحونكم

لتحفظوا العسل !

***

ما زال في كرومكم عناقد من العنب

ردوا بنات آوى

يا حارسي الكروم

لينضج العنب ..

***

ما زال في بيوتكم حصيرة .. وباب

سدوا طريق الريح عن صغاركم

ليرقد الأطفال

الريح برد قارس .. فلتغلقوا الأبواب ..

***

ما زال في قلوبكم دماء

لا تسفحوها أيّها الآباء ..

فإن في أحشائكم جنين ..

***

مازال في موقدكم حطب

و قهوة .. وحزمة من اللهب ..




 

عن إنسان

وضعوا على فمه السلاسل

ربطوا يديه بصخرة الموتى ،

و قالوا : أنت قاتل !

***

أخذوا طعامه و الملابس و البيارق

ورموه في زنزانة الموتى ،

وقالوا : أنت سارق !

طردوه من كل المرافيء

أخذوا حبيبته الصغيرة ،

ثم قالوا : أنت لاجيء !

***

يا دامي العينين و الكفين !

إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

و لا زرد السلاسل !

نيرون مات ، ولم تمت روما ...

بعينيها تقاتل !

وحبوب سنبلة تجف

ستملأ الوادي سنابل ..!



 

إلى القاريء

الزنبقات السود في قلبي

و في شفتي ... اللهب

من أي غاب جئتي

يا كل صلبان الغضب ؟

بايعت أحزاني ..

و صافحت التشرد و السغب

غضب يدي ..

غضب فمي ..

و دماء أوردتي عصير من غضب !

يا قارئي !

لا ترج مني الهمس !

لا ترج الطرب

هذا عذابي ..

ضربة في الرمل طائشة

و أخرى في السحب !

حسبي بأني غاضب

و النار أولها غضب !


 

الصهيل الأخير

و أصبّ الأغنية

مثلما ينتحر النهر على ركبتها .

هذه كل خلاياي

و هذا عسلي ،

و تنام الأمنية .

في دروبي الضيقة

ساحة خالية ،

نسر مريض ،

وردة محترفة

حلمي كان بسيطا

واضحا كالمشنقه :

أن أقول الأغنية .

أين أنت الآن ؟

من أي جبل

تأخذين القمر الفضي ّ

من أيّ انتظار ؟

سيّدي الحبّ ! خطانا ابتعدت

عن بدايات الجبل

و جمال الانتحار

و عرفنا الأوديه

أسبق الموت إلى قلبي

قليلا

فتكونين السفر

و تكونين الهواء

أين أنت الآن

من أيّ مطر

تستردين السماء ؟

و أنا أذهب نحو الساحة المنزويه

هذه كل خلاياي ،

حروبي ،

سبلي .

هذه شهوتي الكبرى

و هذا عسلي ،

هذه أغنيتي الأولى

أغنّي دائما

أغنية أولى ،

و لكن

لن أقول الأغنية .


 

حالة واحدة لبحار كثيرة

إلتقينا قبل هذا الوقت في هذا المكان

ورمينا حجرا في الماء،

مرّ السمك الأزرق

عادت موجتان

و تموّجنا .

يدي تحبو على العطر الخريفيّ ،

ستمشين قليلا

و سترمين يدي للسنديان

قلت : لا يشبهك الموج .

و لا عمري ...

تمدّدت على كيس من الغيم

وشقّ السمك الأزرق صدري

و نفاني في جهات الشعر ، و الموت دعاني

لأموت الآن بين الماء و النار

و كانت لا ترني

إن عينيها تنامان تنامان ...

سأرمي عرقي للعشب ،

لن أنسى قميصي في خلاياك ،

و لن أنسى الثواني ،

و سأعطيك انطباعا عاطفيّا ...

لم تقل شيئا

سترمي إلى الأسماك و الأشواك ،

عيناها تنامان تنامان ...

سبقنا حلمنا الآتي ،

سنمشي في اتجاه الرمل صيّادين مقهورين

يا سيّدتي !

هل نستطيع الآن أن نرمي بجسمينا إلى القطّة

يا سيّدتي ! نحن صديقان .

و نام السمك الأزرق في الموج

و أعطينا الأغاني

سرّها ،

فاتّضح الليل ،

أنا شاهدت هذا السر من قبل

و لا أرغب في العودة ،

لا أرغب في العودة ،

لا أطلب من قلبك غير الخفقان .

كيف يبقى الحلم حلما

كيف

يبقى

الحلم

حلما

و قديما ، شرّدتني نظرتان

و التقينا قبل هذا اليوم في هذا المكان

 

يوم أحد أزرق

تجلس المرأة في أغنيتي

تغزل الصوف ،

تصبّ الشاي ،

و الشبّاك مفتوح على الأيّام

و البحر بعيد ...

ترتدي الأزرق في يوم الأحد ،

تتسلّى بالمجلات و عادات الشعوب ،

تقرأ الشعر الرومنتيكي ،

تستلقي على الكرسي ،

و الشبّاك مفتوح على الأيّام ،

و البحر بعيد .

تسمع الصوت الذي لا تنتظر .

تفتح الباب ،

ترى خطوة إنسان يسافر .

تغلق الباب ،

ترى صورته . تسألها : هل أنتحر ؟

تنتقي موزات ،

ترتاح مع الأرض السماويّة ،

و الشبّاك مفتوح على الأيّام

و البحر بعيد .

...و التقينا ،

ووضعت البحر في صحن خزف ،

و اختفت أغنيتي

أنت ، لا أغنيتي

و القلب مفتوح على الأيّام ،

و البحر سعيد ....


 

لمساء آخر

كلّ خوخ الأرض ينمو في جسد

و تكون الكلمة

و تكون الرغبة المحتدمه

سقط الظلّ عليها

لا أحد

لا أحد ...

و تغنّي وحدها

في طريق العربات المهملة

كل شيء عندها

لقب للسنبلة

و تغنّي وحدها :

البحيرات كثيره

و هي النهر الوحيد .

قصّتي كانت قصيرة

و هي النهر الوحيد

سأراها في الشتاء

عنما تقتلني

و ستبكي

و ستضحك

عنما تقتلني

و أراها في الشتاء .

انّني أذكر

أو لا أذكر

العمر تبخّر

في محطات القطارات

و في خطوتها .

كان شيئا يشبه الحبّ

هواء يتكسّر

بين وجهين غريبين ،

و موجا يتحجّر

بين صدرين قريبين ،

و لا أذكرها ...

و تغنّي وحدها

لمساء آخر هذا المساء

و أنادي وردها

تذهب الأرض هباء

حين تبكي وحدها .

كلماتي كلمات

للشبابيك سماء

للعصافير فضاء

للخطى درب و للنهر مصبّ

و أنا للذكريات .

كلماتي كلمات

و هي الأولى . أنا الأول

كنّا . لم نكن

جاء الشتاء

دون أن تقتلني ...

دون أن تبكي و تضحك .

كلمات

كلمات .


 

قطار الساعة الواحدة

رجل و امرأة يفترقان

ينفضان الورد عن قلبيهما ،

ينكسران .

يخرج الظلّ من الظلّ

يصيران ثلاثة :

رجلا

و امرأة

و الوقت ...

لا يأتي القطار

فيعودان إلى المقهى

يقولان كلاما آخرا ،

ينسجمان

و يحبّان بزوغ الفجر من أوتار جيتار

و لا يفترقان ...

.. و تلفت أجيل الطرف في ساحات هذا القلب .

ناداني زقاق ورفاق يدخلون القبو و النسيان في مدريد .

لا أنسى من المرأة إلّا وجهها أو فرحي ...

أنساك أنساك و أنساك كثيرا

لو تأخّرنا قليلا

عن قطار الواحدة .

لو جلسنا ساعة في المطعم الصيني ،

لو مرّت طيور عائدة .

لو قرأنا صحف الليل

لكنّا

رجلا و امرأة يلتقيان ...


 

هكذا قالت الشجرة المهملة

خارج الطقس ،

أو داخل الغابة الواسعة

وطني.

هل تحسّ العصافير أنّي

لها

وطن ... أو سفر ؟

إنّني أنتظر ...

في خريف الغصون القصير

أو ربيع الجذور الطويل

زمني.

هل تحسّ الغزالة أنّي

لها

جسد ... أو ثمر ؟

إنّني أنتظر ...

في المساء الذي يتنزّه بين العيون

أزرقا ، أخضرا ، أو ذهب

بدني

هل يحسّ المحبّون أنّي

لهم

شرفة ... أو قمر ؟

إنّني أنتظر ...

في الجفاف الذي يكسر الريح

هل يعرف الفقراء

أنّني

منبع الريح ؟ هل يشعرون بأنّي

لهم

خنجر ... أو مطر ؟

أنّني أنتظر ...

خارج الطقس ،

أو داخل الغابة الواسعة

كان يهملني من أحب

و لكنّني

لن أودّع أغصاني الضائعة

في رخام الشجر

إنّني أنتظر ...

***


 

طباق (عن إدوارد سعيد)

نيويورك/ نوفمبر/ الشارعُ الخامسُ/

الشمسُ صَحنٌ من المعدن المُتَطَايرِ/

قُلت لنفسي الغريبةِ في الظلِّ:

هل هذه بابلٌ أَم سَدُومْ؟

هناك, على باب هاويةٍ كهربائيَّةٍ

بعُلُوِّ السماء, التقيتُ بإدوارد

قبل ثلاثين عاماً,

وكان الزمان أقلَّ جموحاً من الآن...

قال كلانا:

إذا كان ماضيكَ تجربةً

فاجعل الغَدَ معنى ورؤيا!

لنذهبْ,

لنذهبْ الى غدنا واثقين

بِصدْق الخيال, ومُعْجزةِ العُشْبِ/

لا أتذكَّرُ أنّا ذهبنا الى السينما

في المساء. ولكنْ سمعتُ هنوداً

قدامى ينادونني: لا تثِقْ

بالحصان, ولا بالحداثةِ/

لا. لا ضحيَّةَ تسأل جلاّدَها:

هل أنا أنتَ؟ لو كان سيفيَ

أكبرَ من وردتي... هل ستسألُ

إنْ كنتُ أفعل مثلَكْ؟

سؤالٌ كهذا يثير فضول الرُوَائيِّ

في مكتبٍ من زجاج يُطلَّ على

زَنْبَقٍ في الحديقة... حيث تكون

يَدُ الفرضيَّة بيضاءَ مثل ضمير

الروائيِّ حين يُصَفِّي الحساب مَعَ

النَزْعة البشريّةِ... لا غَدَ في

الأمس, فلنتقدَّم إذاً!/

قد يكون التقدُّمُ جسرَ الرجوع

الى البربرية.../

نيويورك. إدوارد يصحو على

كسَل الفجر. يعزف لحناً لموتسارت.

يركض في ملعب التِنِس الجامعيِّ.

يفكِّر في رحلة الفكر عبر الحدود

وفوق الحواجز. يقرأ نيويورك تايمز.

يكتب تعليقَهُ المتوتِّر. يلعن مستشرقاً

يُرْشِدُ الجنرالَ الى نقطة الضعف

في قلب شرقيّةٍ. يستحمُّ. ويختارُ

بَدْلَتَهُ بأناقةِ دِيكٍ. ويشربُ

قهوتَهُ بالحليب. ويصرخ بالفجر:

لا تتلكَّأ!

على الريح يمشي. وفي الريح

يعرف مَنْ هُوَ. لا سقف للريح.

لا بيت للريح. والريحُ بوصلةٌ

لشمال الغريب.

يقول: أنا من هناك. أنا من هنا

ولستُ هناك, ولستُ هنا.

لِيَ اسمان يلتقيان ويفترقان...

ولي لُغَتان, نسيتُ بأيِّهما

كنتَ أحلَمُ,

لي لُغةٌ انكليزيّةٌ للكتابةِ

طيِّعةُ المفردات,

ولي لُغَةٌ من حوار السماء

مع القدس, فضيَّةُ النَبْرِ

لكنها لا تُطيع مُخَيّلتي

والهويَّةُ؟ قُلْتُ

فقال: دفاعٌ عن الذات...

إنَّ الهوية بنتُ الولادة لكنها

في النهاية إبداعُ صاحبها, لا

وراثة ماضٍ. أنا المتعدِّدَ... في

داخلي خارجي المتجدِّدُ. لكنني

أنتمي لسؤال الضحية. لو لم أكن

من هناك لدرَّبْتُ قلبي على أن

يُرَبي هناك غزال الكِنَايةِ...

فاحمل بلادك أنّى ذهبتَ وكُنْ

نرجسيّاً إذا لزم الأمرُ/

- منفىً هوَ العالَمُ الخارجيُّ

ومنفىً هوَ العالَمُ الباطنيّ

فمن أنت بينهما؟

< لا أعرِّفُ نفسي

لئلاّ أضيِّعها. وأنا ما أنا.

وأنا آخَري في ثنائيّةٍ

تتناغم بين الكلام وبين الإشارة

ولو كنتُ أكتب شعراً لقُلْتُ:

أنا اثنان في واحدٍ

كجناحَيْ سُنُونُوَّةٍ

إن تأخّر فصلُ الربيع

اكتفيتُ بنقل البشارة!

يحبُّ بلاداً, ويرحل عنها.

]هل المستحيل بعيدٌ؟[

يحبُّ الرحيل الى أيِّ شيء

ففي السَفَر الحُرِّ بين الثقافات

قد يجد الباحثون عن الجوهر البشريّ

مقاعد كافيةً للجميع...

هنا هامِشٌ يتقدّمُ. أو مركزٌ

يتراجَعُ. لا الشرقُ شرقٌ تماماً

ولا الغربُ غربٌ تماماً,

فإن الهوية مفتوحَةٌ للتعدّدِ

لا قلعة أو خنادق/

كان المجازُ ينام على ضفَّة النهرِ,

لولا التلوُّثُ,

لاحْتَضَنَ الضفة الثانية

- هل كتبتَ الروايةَ؟

< حاولتُ... حاولت أن أستعيد

بها صورتي في مرايا النساء البعيدات.

لكنهن توغَّلْنَ في ليلهنّ الحصين.

وقلن: لنا عاَلَمٌ مستقلٌ عن النصّ.

لن يكتب الرجلُ المرأةَ اللغزَ والحُلْمَ.

لن تكتب المرأةُ الرجلَ الرمْزَ والنجمَ.

لا حُبّ يشبهُ حباً. ولا ليل

يشبه ليلاً. فدعنا نُعدِّدْ صفاتِ

الرجال ونضحكْ!

- وماذا فعلتَ؟

< ضحكت على عَبثي

ورميت الروايةَ

في سلة المهملات/

المفكِّر يكبحُ سَرْدَ الروائيِّ

والفيلسوفُ يَشرحُ وردَ المغنِّي/

يحبَّ بلاداً ويرحل عنها:

أنا ما أكونُ وما سأكونُ

سأضع نفسي بنفسي

وأختارٌ منفايَ. منفايَ خلفيَّةُ

المشهد الملحمي, أدافعُ عن

حاجة الشعراء الى الغد والذكريات معاً

وأدافع عن شَجَرٍ ترتديه الطيورُ

بلاداً ومنفى,

وعن قمر لم يزل صالحاً

لقصيدة حبٍ,

أدافع عن فكرة كَسَرَتْها هشاشةُ أصحابها

وأدافع عن بلد خَطَفتْهُ الأساطيرُ/

- هل تستطيع الرجوع الى أيِّ شيء؟

< أمامي يجرُّ ورائي ويسرعُ...

لا وقت في ساعتي لأخُطَّ سطوراً

على الرمل. لكنني أستطيع زيارة أمس,

كما يفعل الغرباءُ إذا استمعوا

في المساء الحزين الى الشاعر الرعويّ:

"فتاةٌ على النبع تملأ جرَّتها

بدموع السحابْ

وتبكي وتضحك من نحْلَةٍ

لَسَعَتْ قَلْبَها في مهبِّ الغيابْ

هل الحبُّ ما يُوجِعُ الماءَ

أم مَرَضٌ في الضباب..."

]الى آخر الأغنية[

- إذن, قد يصيبكَ داءُ الحنين؟

< حنينٌ الى الغد, أبعد أعلى

وأبعد. حُلْمي يقودُ خُطَايَ.

ورؤيايَ تُجْلِسُ حُلْمي على ركبتيَّ

كقطٍّ أليفٍ, هو الواقعيّ الخيالي

وابن الإرادةِ: في وسعنا

أن نُغَيِّر حتميّةَ الهاوية!

- والحنين الى أمس؟

< عاطفةً لا تخصُّ المفكّر إلاّ

ليفهم تَوْقَ الغريب الى أدوات الغياب.

وأمَّا أنا, فحنيني صراعٌ على

حاضرٍ يُمْسِكُ الغَدَ من خِصْيَتَيْه

- ألم تتسلَّلْ الى أمس, حين

ذهبتَ الى البيت, بيتك في

القدس في حارة الطالبيّة؟

< هَيَّأْتُ نفسي لأن أتمدَّد

في تَخْت أمي, كما يفعل الطفل

حين يخاف أباهُ. وحاولت أن

أستعيد ولادةَ نفسي, وأن

أتتبَّعُ درب الحليب على سطح بيتي

القديم, وحاولت أن أتحسَّسَ جِلْدَ

الغياب, ورائحةَ الصيف من

ياسمين الحديقة. لكن ضَبْعَ الحقيقة

أبعدني عن حنينٍ تلفَّتَ كاللص

خلفي.

- وهل خِفْتَ؟ ماذا أخافك؟

< لا أستطيع لقاءُ الخسارة وجهاً

لوجهٍ. وقفتُ على الباب كالمتسوِّل.

هل أطلب الإذن من غرباء ينامون

فوق سريري أنا... بزيارة نفسي

لخمس دقائق؟ هل أنحني باحترامٍ

لسُكَّان حُلْمي الطفوليّ؟ هل يسألون:

مَن الزائرُ الأجنبيُّ الفضوليُّ؟ هل

أستطيع الكلام عن السلم والحرب

بين الضحايا وبين ضحايا الضحايا, بلا

كلماتٍ اضافيةٍ, وبلا جملةٍ اعتراضيِّةٍ؟

هل يقولون لي: لا مكان لحلمين

في مَخْدَعٍ واحدٍ؟

لا أنا, أو هُوَ

ولكنه قارئ يتساءل عمَّا

يقول لنا الشعرُ في زمن الكارثة؟

دمٌ,

ودمٌ,

ودَمٌ

في بلادكَ,

في اسمي وفي اسمك, في

زهرة اللوز, في قشرة الموز,

في لَبَن الطفل, في الضوء والظلّ,

في حبَّة القمح, في عُلْبة الملح/

قَنَّاصةٌ بارعون يصيبون أهدافهم

بامتيازٍ

دماً,

ودماً,

ودماً,

هذه الأرض أصغر من دم أبنائها

الواقفين على عتبات القيامة مثل

القرابين. هل هذه الأرض حقاً

مباركةٌ أم مُعَمَّدةٌ

بدمٍ,

ودمٍ,

ودمٍ,

لا تجفِّفُهُ الصلواتُ ولا الرملُ.

لا عَدْلُ في صفحات الكتاب المقدَّس

يكفي لكي يفرح الشهداءُ بحريَّة

المشي فوق الغمام. دَمٌ في النهار.

دَمٌ في الظلام. دَمٌ في الكلام!

يقول: القصيدةُ قد تستضيفُ

الخسارةَ خيطاً من الضوء يلمع

في قلب جيتارةٍ, أو مسيحاً على

فَرَسٍ مثخناً بالمجاز الجميل, فليس

الجماليُ إلاَّ حضور الحقيقيّ في

الشكلِ/

في عالمٍ لا سماء له, تصبحُ

الأرضُ هاويةً. والقصيدةُ إحدى

هِباتِ العَزَاء, وإحدى صفات

الرياح, جنوبيّةً أو شماليةً.

لا تَصِفْ ما ترى الكاميرا من

جروحك. واصرخْ لتسمع نفسك,

وأصرخ لتعلم أنَّكَ ما زلتَ حيّاً,

وحيّاً, وأنَّ الحياةَ على هذه الأرض

ممكنةٌ. فاخترعْ أملاً للكلام,

أبتكرْ جهةً أو سراباً يُطيل الرجاءَ.

وغنِّ, فإن الجماليَّ حريَّة/

أقولُ: الحياةُ التي لا تُعَرَّفُ إلاّ

بضدٍّ هو الموت... ليست حياة!

يقول: سنحيا, ولو تركتنا الحياةُ

الى شأننا. فلنكُنْ سادَةَ الكلمات التي

سوف تجعل قُرّاءها خالدين - على حدّ

تعبير صاحبك الفذِّ ريتسوس...

وقال: إذا متّ قبلَكَ,

أوصيكَ بالمستحيْل!

سألتُ: هل المستحيل بعيد؟

فقال: على بُعْد جيلْ

سألت: وإن متُّ قبلك؟

قال: أُعزِّي جبال الجليلْ

وأكتبُ: "ليس الجماليُّ إلاّ

بلوغ الملائم". والآن, لا تَنْسَ:

إن متُّ قبلك أوصيكَ بالمستحيلْ!

عندما زُرْتُهُ في سَدُومَ الجديدةِ,

في عام ألفين واثنين, كان يُقاوم

حربَ سدومَ على أهل بابلَ...

والسرطانَ معاً. كان كالبطل الملحميِّ

الأخير يدافع عن حقِّ طروادةٍ

في اقتسام الروايةِ/

نَسْرٌ يودِّعُ قمَّتَهُ عالياً

عالياً,

فالإقامةُ فوق الأولمب

وفوق القِمَمْ

تثير السأمْ

وداعاً,

وداعاً لشعر الألَمْ!


 

رباعيات

وطني لم يعطني حبي لك

غير أخشاب صليبي

وطني يا وطني ما أجملك

خذ عيوني خذ فؤادي خذ حبيبي

في توابيت أحبائي أغني

لأراجيح أحبائي الصغار

دم جدي عائد لي فانتظرني

آخر الليل نهار

شهوة السكين لن يفهمها عطر الزنابق

و حبيبي لا ينام

سأغني و ليكن منبر أشعاري مشانق

و على الناس سلام

أجمل الأشعار ما يحفظه عن ظهر قلب

كل قاريء

فإذا لم يشرب الناس أناشيدك شرب

قل أنا وحدي خاطيء

ربما أذكر فرسانا و ليلى بدوية

و رعاة يحلبون النوق في مغرب شمس

يا بلادي ما تمنيت العصور الجاهلية

فغدي أفضل من يومي و أمسي

الممر الشائك المنسي ما زال ممرا

و ستأتيه الخطى في ذات عام

عندما يكبر أحفاد الذي عمر دهرا

يقلع الصخر و أنياب الظلام

من ثقوب السجن لاقيت عيون البرتقال

و عناق البحر و الأفق الرحيب

فإذا اشتد سواد الحزن في إحدى الليالي

أتعزى بجمال الليل في شعر حبيبي

حبنا أن يضغط الكف على الكف و نمشي

و إذا جعنا تقاسمنا الرغيف

في ليالي البرد أحميك برمشي

و بأشعار على الشمس تطوف

أجمل الأشياء أن نشرب شايا في المساء

و عن الأطفال نحكي

و غد لا نلتقي فيه خفاء

و من الأفراح نبكي

لا أريد الموت ما دامت على الأرض قصائد

و عيون لا تنام

فإذا جاء و لن يأتي بإذن لن أعاند

بل سأرجوه لكي أرثي الختام

لم أجد أين أنام

لا سرير أرتمي في ضفتيه

مومس مرت و قالت دون أن تلقي السلام

سيدي إن شئت عشرين جنيه



 

أجمل حب

كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة

وجدنا غريبين يوما

و كانت سماء الربيع تؤلف نجما ... و نجما

و كنت أؤلف فقرة حب..

لعينيك.. غنيتها!

أتعلم عيناك أني انتظرت طويلا

كما انتظر الصيف طائر

و نمت.. كنوم المهاجر

فعين تنام لتصحو عين.. طويلا

و تبكي على أختها ،

حبيبان نحن، إلى أن ينام القمر

و نعلم أن العناق، و أن القبل

طعام ليالي الغزل

و أن الصباح ينادي خطاي لكي تستمرّ

على الدرب يوما جديداً !

صديقان نحن، فسيري بقربي كفا بكف

معا نصنع الخبر و الأغنيات

لماذا نسائل هذا الطريق .. لأي مصير

يسير بنا ؟

و من أين لملم أقدامنا ؟

فحسبي، و حسبك أنا نسير...

معا، للأبد

لماذا نفتش عن أغنيات البكاء

بديوان شعر قديم ؟

و نسأل يا حبنا ! هل تدوم ؟

أحبك حب القوافل واحة عشب و ماء

و حب الفقير الرغيف !

كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة

وجدنا غريبين يوما

و نبقى رفيقين دوما

 

عن الشعر
أمس غنينا لنجم فوق غيمة

و انغمسنا في البكاء

أمس عاتبنا الدوالي و القمر

و الليالي و القدر

و توددنا النساء

دقّت الساعة و الخيام يسكر

و على وقع أغانيه المخدر

قد ظللنا بؤساء

يا رفاقي الشعراء

نحن في دنيا جديدة

مات ما فات فمن يكتب قصيدة

في زمان الريح و الذرة

يخلق أنبياء

-2-

قصائدنا بلا لون

بلا طعم بلا صوت

إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت

و إن لم يفهم البسطا معانيها

فأولى أن نذريها

و نخلد نحن للصمت

-3-

لو كانت هذي الأشعار

إزميلا في قبضة كادح

قنبلة في كف مكافح

لو كانت هذي الأشعار

لو كانت هذي الكلمات

محراثا بين يدي فلاح

و قميصا أو بابا أو مفتاح

لو كانت هذي الكلمات

أحد الشعراء يقول

لو سرت أشعاري خلاني

و أغاظت أعدائي

فأنا شاعر

و أنا سأقول



 

الرباط

لن نفترق

أمامنا البحار و الغابات

و راءنا فكيف نفترق

يا صاحبي يا أسود العينين

خذني كيف نفترق

و ليس لي سواك

لعلني سئمت مقلتيك

يا ظامئا إلى الأبد

لعلني أخاف من يديك

يا قاسيا إلى الأبد

لكنني بلا أحد

بلا أحد

فكيف نفترق

يا أجمل الوحوش يا صديقي

ما بيننا سوى النفاق

و الخوف متاعب الطريق

البحر من أمامنا

و اغاب من ورائنا

فكيف نفترق


 

البكاء

ليس من شوق إلى حضن فقدته

ليس من ذكرى لتمثال كسرته

ليس من حزن على طفل دفنته

أنا أبكي !

أنا أدري أن دمع العين خذلان ... و ملح

أنا أدري ،

و بكاء اللحن ما زال يلح

لا ترشّي من مناديلك عطرا

لست أصحو... لست أصحو

ودعي قلبي... يبكي !

*

شوكة في القلب مازالت تغزّ

قطرات... قطرات... لم يزل جرحي ينزّ

أين زرّ الورد ؟

هل في الدم ورد ؟

يا عزاء الميتين !

هل لنا مجد و عزّ !

أتركي قلبي يبكي !

خبّئي عن أذني هذي الخرافات الرتيبة

أنا أدري منك بالإنسان ...بالأرض الغريبة

لم أبع مهري ...و لا رايات مأساتي الخضيبة

و لأنّي أحمل الصخر وداء الحبّ ...

و الشمس الغريبة

أنا أبكي !

أنا أمضي قبل ميعادي ... مبكر

عمرنا أضيق منا ،

عمرنا أصغر... أصغر

هل صحيح ، يثمر الموت حياة

هل سأثمر

في يد الجائع خبزا ، في فم الأطفال سكّر ؟

أنا أبكي !


 

الكلمة
الشاعر العربيّ محروم

دم الصحراء يغلي في نشيده

و قوافل النوق العطاش

أبدا تسافر في حدوده

و الحلوة السمراء في صدف البحار !

الشاعر العربيّ محروم

تعوّد أن يموت بسيف صمته

ألقى على عينيه كل السر

قال : غدا ستفهمها عيوني

و أنا تركت لك الكلام على عيوني

لكن ، أظنك ما فهمت !


 

سونا

أزهارها الصفراء ... و الشفة المشاع

و سريرها العشرون مهتريء الغطاء

نامت على الإسفلت ، لا أحد يبيع ... و لا يباع

و تقيأت سأم المدينة ، فالطريق

عار من الأضواء ..

و المتسولين على النساء

نامت على الإسفلت ، لا أحد يبيع ... و لا يباع !

يا بائع الأزهار ! إغمد في فؤادي

زهرة صفراء تنبت في الوحول !

هذا أوان الخوف ، لا أحد سيفهم ما أقول

أحكي لكم عن مومس ... كانت تتاجر في بلادي

بالفتية المتسولين على النساء

أزهارها صفراء ، نهداها مشاع

و سريرها العشرون مهتريء الغطاء

هذي بلاد الخوف ، لا أحد سيفهم ما أقول

إلّا الذين رأوا سحاب الوحل ... يمطر في بلادي !

يا بائع الأزهار ! إغمد في فؤادي

زهر الوحول ... عساي أبصق

ما يضيق به فؤادي

 

عن الأمنيات

لا تقل لي:

ليتني بائع خبر في الجزائر

لأغني مع ثائر!

لا تقل لي:

ليتني راعي مواشٍ في اليمن

لأغني لانتفاضات الزمن

لا تقل لي:

ليتني عامل مقهى في هافانا

لأغني لانتصارات الحزانى!

لا تقل لي:

ليتني أعمل في أسوان حمّالاً صغير

لأغني للصخور

يا صديقي! لن يصب النيل في الفولغا

ولا الكونغو، ولا الأردن، في نهر الفرات!

كل نهر، وله نبع... ومجرى... وحياة!

يا صديقي!... أرضنا ليست بعاقر

كل أرض، ولها ميلادها

كل فجر، وله موعد ثائر!


 
أعلى